-
منير الربيع -
إنها حرب لن يسلم منها أحد. في أيّة لحظة يمكنها أن تتحول إلى حرب عالمية. أو بالحدّ الأدنى، بإمكانها أن تتوسع لتطال دولاً جديدة، أو لتستدرج قوى عسكرية إضافية لخوضها والمشاركة فيها. مما لا شك فيه أنها حرب ستغير التوازنات على الساحة العالمية. فإيران لا تبدو وحدها، وبعض المؤشرات تظهر دوراً للصين، أو لتقنياتها العسكرية. وهنا لا يمكن إغفال تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي أشار إلى تلقي إيران الدعم من الصين وروسيا. يمكن للصين أن تخوض هذه الحرب بدعم إيران بشكل صامت، وسط تساؤلات كثيرة تُطرح حول نوعية الأسلحة والصواريخ، لا سيما تلك التي أصابت الطائرات الحربية الأميركية. بالنسبة إلى بكين، فإنه لا يمكن القبول بالفوز الأميركي الصافي في إيران، لأن الولايات المتحدة ستكون قد أحكمت السور من حول دولة السور العظيم. روسيا أيضاً، تراقب، تقدم تقنيات ودعماً للإيرانيين، وفي الوقت نفسه تترقب غضب ترامب من أوروبا ودول الناتو، وقد تعرض المقايضة بين إيران وأوكرانيا، أو تبقى تشاغل الأميركيين والأوروبيين معاً انطلاقاً من إيران وعرض لعب دور الوساطة لاحقاً.
إيران والتوسيع
إيران أكثر الدول التي تسعى إلى توسيع الحرب، وتكبير حجم الخسائر الاقتصادية على مستوى العالم. في بعض العمليات والاستهدافات قد تسهم في إدخال أو استدراج دول جديدة إلى ساحة المعركة، بينما الولايات المتحدة الأميركية تسعى إلى توسيع التحالف المشارك في الحرب ضد الجمهورية الإسلامية، فترامب عاتب الناتو ودوله، لكنه يضغط في سبيل دفع دول عديدة للدخول في الحرب، على قاعدة مساهمة هذه الدول بتأمين الحماية الملاحية في مضيق هرمز، وقد وصل إلى اتفاق مع 22 دولة بشأن ذلك. الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج من شأنها أن تدفع هذه الدول أيضاً إلى تبني خيار الحرب، أو بالحدّ الأدنى الخروج من مساحة الحياد إلى مساحة داعمة لضرب إيران، وتغيير النظام فيها، في ظل البحث عن تقاطعات وتحالفات وتفاهمات إقليمية هدفها تشكيل قوة توازن في مواجهة هذه الضربات الإيرانية، وهو ما جرى البحث به في الاجتماع الذي عقد لدول عربية وإسلامية في المملكة العربية السعودية الأسبوع الفائت. لكن هذه الدول أيضاً تجد نفسها أمام مخاطر المشروع الإسرائيلي، الذي يعبر عن نفسه بوضوح حول الاستعداد لمواجهة الدول العربية الكبرى وتركيا.
... وترامب يطمح
ترامب يريد لهذه الدول أن تنخرط إلى جانبه في الحرب. وفي خلفية العقلية الأميركية دفع دول الخليج والمزيد من الدول العربية إلى الاتفاقات الإبراهيمية والتحالف مع إسرائيل. تل أبيب تريد لهذه الحرب الطويلة التي تصمم فيها على التفوق، أن تظهر لهذه الدول العربية أنها ملاذهم الأمني الأخير، وهي ستستثمر في الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية لدفع العرب إليها أكثر، على قاعدة أن كل سياسات المهادنة والتقارب مع إيران لم تجنب هذه الدول مخاطر الحرب وتداعياتها.
تحديات الخليج
إلى جانب التمنع العربي والإقليمي حتى الآن عن الدخول والانخراط في المشروع الإسرائيلي، تجد دول الخليج نفسها أمام استحقاقات جديدة تتعلق بالبحث عن تعزيز تحالفاتها وعلاقاتها الأمنية والعسكرية وبناء منظومة دفاع مشتركة مع تجديد التنسيق السياسي، والسعي ليشمل ذلك دولاً عربية أخرى كمصر وسوريا مع محاولات لاستقطاب لبنان والعراق، مع توسيع نطاق التفاهمات أو التحالفات لتشتمل على تركيا وباكستان، كنوع من تشكيل منظومة إقليمية توفر الحماية والقدرة على تشكيل توازن على مستوى المنطقة. كما أن بعضاً من هذه الدول بدأت تبذل جهدها للبحث عن مخرج لوقف الحرب، ومنع اتساعها والحد من مخاطرها وتداعياتها الخطرة جداً على المستويات الاقتصادية والاجتماعية.
الإبتزاز الإسرائيلي
وإذا كانت طهران تسعى لتوسيع نطاق المعركة، والولايات المتحدة تدفع دولاً عديدة للانخراط في هذه الحرب، فإن إسرائيل تصرّ أيضاً على معادلة نتنياهو لتغيير وجه الشرق الأوسط، وهو يسعى بقوة إلى دفع سوريا للدخول على خط هذه الحرب. فبعد محاولات عديدة لدفع الرئيس السوري أحمد الشرع إلى اتخاذ قرار المشاركة في الحرب ضد حزب الله والدخول إلى البقاع، لجأت إسرائيل إلى ممارسة ضغوط عسكرية وأمنية على دمشق لدفعها بهذا الاتجاه. إسرائيلياً، هناك إصرار على نزع سلاح حزب الله بالكامل، وتدمير قدراته العسكرية حتى في البقاع الشمالي، وهو ما تريد لسوريا أن تفعله. أما بحال تمسكت دمشق بموقفها الرافض، فإن تل أبيب ستفعل ما بوسعها لتوريطها أو أنها ستكون مضطرة بنفسها لخوض هذه الحرب. عملياً، ستبتز إسرائيل الجميع في هذه الحرب، خصوصاً إن قررت التقدم من جبل الشيخ عبر الأراضي السورية لتطويق حزب الله في البقاع، فذلك سيكون تطويقاً لسوريا أيضاً، وستصبح تل أبيب على مشارف قريبة من دمشق.
حرب طويلة
على المستوى اللبناني، فإن إسرائيل تواصل عمليات تقطيع أوصال الجنوب، وفصل جنوب الليطاني عن لبنان بالكامل، وهو ما يندرج في سياق الخطة العسكرية الإسرائيلية الهادفة إلى السيطرة على مساحة جغرافية واسعة من الجغرافيا اللبنانية، وجعلها منطقة عازلة غير صالحة للسكن، وهو ما بدأ يظهر بوضوح من خلال قرار الحكومة الإسرائيلية بإحداث تدمير كامل لقرى الحافة الأمامية، مع تنفيذ تفجيرات ضخمة لنسف أحياء سكنية بأكملها. تل أبيب تصر على مواصلة الحرب، وتعميقها، وتوسيعها لتطال المزيد من البنى التحتية التابعة للدولة اللبنانية. وهو ما يؤكده تصريح رئيس الأركان الإسرائيلي عن أن الحرب مع لبنان ستكون طويلة، وستتفعل أكثر بعد الحرب على إيران.
... وممر داوود
ما بين لبنان وسوريا، يتجلى المشروع الإسرائيلي في المنطقة، إذ تسعى إسرائيل إلى جعل البلدين ملحقين بها، أو خاضعين لضرباتها ومشاغلاتها فيهما على المستوى الداخلي عبر زرع الفتن بين المكونات لإضعافهما بالحدّ الأدنى. وإذا كانت الحرب تتصل بتغيير وجه الشرق الأوسط، فلا يمكن تغييره من دون إحداث التغيير الذي تريده تل أبيب في لبنان وسوريا معاً، وعلى طريق الابتزاز الأوسع، ومشاريع التوسيع والخطوط والممرات، قد تعود مجدداً لفتح معركة "ممر داوود" في مواجهة أي ممر آخر تعتبره مهدداً لمشاريعها، كما أنها تبتز فيه تركيا وتسعى إلى إشغالها وإشعارها بتهديد أمنها القومي.
-